Old love
سراب الاستحقاق
استيقظتُ في الصباح التالي على خيوط الشمس الباريسية المتسللة من خلف الستائر المخملية الثقيلة. كان الجناح يغرق في سكون تام، باستثناء صوت أنفاس كيندال المنتظمة بجانبي. لم تكن قد استيقظت بعد، وبدت في نومها كأنها ملاك من مرمر، ملامحها الحادة التي تسيطر على منصات العرض العالمية كانت الآن مرتخية، ويدها لا تزال تطوق خصري بتملك فطري، حتى وهي غائبة عن الوعي.
حاولتُ تحريك ساقي بحذر. الوخز الحاد الذي شلّ حركتي ليلة أمس قد تلاشى، وحلّ محله ثقل مريح وخدر طفيف. تذكرتُ كيف حملتني، وكيف غسلت جسدي بيديها اللتين لا تلمسان عادةً إلا الحرير والمجوهرات. تذكرتُ نبرة صوتها وهي تقول "لأنكِ ملكي". تلك الجملة التي كانت من المفترض أن ترعبني، لكنها بدلاً من ذلك، غرزت جذورها في أعماق قلبي المريض بحبها.
تسللتُ من السرير ببطء، محاولةً عدم إيقاظها. وقفتُ أمام المرآة الكبيرة، أنظر إلى الانعكاس الذي غدا غريباً عني. كانت هناك علامات أرجوانية باهتة على عنقي وكتفي، أختام كيندال جينر التي لا يراها أحد غيري. لم تكن مجرد كدمات، كانت تذكيراً دائماً بأنني في هذه الغرفة أتحول إلى كائن لا إرادة له، كائن يعيش على فتات اهتمامها المتقلب.
بينما كنتُ أرتدي قميصها القطني الواسع الذي وجدته على الكرسي، سمعتُ حركتها خلفي. لم تكن حركة استيقاظ عادية، بل كانت تلك الوقفة الواثقة التي تتخذها بمجرد أن تفتح عينيها.
— "إلى أين تهربين؟" سألت بصوت مبحوح بفعل النوم، لكنه لم يخلُ من نبرة الآمر.
التفتُّ إليها، كانت تجلس وسط الأغطية المبعثرة، وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها بفوضى مدروسة.
— "لستُ أهرب،" قلتُ بصوت حاولتُ أن أجعله ثابتاً. "كنتُ فقط أتأكد من أنني أستطيع المشي مجدداً."
ابتسمت ابتسامة جانبية، تلك الابتسامة التي تجعلني أشعر بأنني نكتة خاصة بها.
— "لقد كنتِ ضعيفة جداً ليلة أمس،" قالت وهي تنهض من السرير عارية تماماً، دون أدنى شعور بالخجل، وكأن جسدها ليس ملكاً لها بل للعالم أجمع. "أعجبني ذلك الضعف. يجعلكِ تبدين... حقيقية."
اقتربت مني حتى شعرتُ بحرارة جسدها. رفعت يدها لتلمس العلامات على عنقي، ومررت إبهامها فوقها ببطء شديد، وكأنها تتذوق انتصارها.
— "هل تؤلمكِ؟" سألت، ولم تكن تنتظر إجابة بقدر ما كانت تستمتع برؤية بؤبؤ عيني وهو يتسع.
— "أنتِ تعلمين أنها تؤلم،" أجبتهُا بمرارة. "وتعلمين أيضاً أنني سأخفيها تحت طبقات من المكياج والملابس لكي لا يرى أحد حقيقتكِ."
ضحكت كيندال ضحكة قصيرة وجافة، ثم ابتعدت لتلتقط هاتفها الذي بدأ يهتز على الطاولة الجانبية. في لحظة واحدة، تحولت من تلك المرأة التي كانت تحتضنني بحنان في الحمام، إلى "كيندال جينر" عارضة الأزياء العالمية، سيدة الأعمال، والوجه الإعلامي الذي لا يبتسم إلا للكاميرات.
— "هذا كريس،" قالت وهي تتصفح الرسائل ببرود. "لدي جلسة تصوير مع 'فوغ' بعد ساعة. يجب أن أغادر."
هكذا ببساطة. العاصفة التي عصفت بنا ليلة أمس، الحميمية المفرطة، الرعاية اللاحقة التي جعلتني أشعر بأنني مميزة... كل ذلك تبخر في ثانية واحدة لأن العمل نادى.
— "هل ستعودين الليلة؟" سألتُها، وكرهتُ نفسي لأنني سألت. كرهتُ نبرة الاحتياج التي تسللت إلى صوتي.
توقفت كيندال وهي تضع قرطاً ذهبياً في أذنها، نظرت إليّ عبر المرآة، وكانت عيناها قد استعادتا ذلك البرود الجليدي.
— "ربما. هناك حفلة بعد الجلسة، لستُ متأكدة من الوقت الذي سأنتهي فيه. لا تنتظريني."
شعرتُ بطعنة في صدري. "لا تنتظريني" هي الكلمة التي تكررها دائماً، ومع ذلك، أجد نفسي دائماً جالسة في الظلام، أنتظر صوت مفتاحها في الباب.
— "كيندال،" ناديتُها وهي تتجه نحو الحمام.
توقفت والتفتت، وبدا عليها الملل.
— "ماذا الآن؟"
— "هل نحن فعلاً... مجرد أصدقاء مع امتيازات؟" سألتُ السؤال الذي كنتُ أعرف إجابته، لكنني كنتُ أحتاج لسماعها لعلها توقظني من هذا الكابوس الجميل.
سارت نحوي بخطوات بطيئة، ووقفت أمامي مباشرة. وضعت يديها على كتفي وضغطت بقوة كافية لتجعلني أشعر بملكيّتها مجدداً.
— "أنتِ تعرفين القواعد،" همست بالقرب من أذني. "المشاعر تجعل الأمور معقدة، وأنا أكره التعقيد. أنتِ تحصلين على أفضل ما فيّ، وأنا أحصل على ما أريد. أليس هذا عدلاً؟"
— "العدل لا يعني أنني أشعر بالوحدة وأنا معكِ،" قلتُ والدموع تحرق جفوني.
رفعت ذقني بإصبعها، ونظرت في عيني بعمق، ولحظة واحدة، خيّل لي أنني رأيت وميضاً من شيء آخر، ربما وجع، أو ربما مجرد انعكاس لوجعي أنا.
— "الوحدة هي الثمن الذي ندفعه مقابل التميز،" قالت ببرود. "إذا كنتِ تريدين حباً عادياً، فأنتِ في المكان الخطأ ومع الشخص الخطأ."
تركتني واتجهت لتكمل استعدادها. وقفتُ مكاني، أشعر بالصغر والضياع. كان الجناح الفاخر يبدو الآن كقصر مسكون، مليء بذكريات لمساتها التي لا تعني شيئاً سوى السيطرة.
بعد نصف ساعة، كانت كيندال جاهزة تماماً. ارتدت بدلة سوداء أنيقة، ووضعت نظاراتها الشمسية الضخمة التي تخفي أي أثر للإنسانية في عينيها. اقتربت مني وقبلتني قبلة سريعة على شفتي، قبلة بطعم الوداع العابر.
— "اتصلي بالخدمة واطلبي ما تريدين، سأترك بطاقتي هنا،" قالت وهي تضع بطاقة الائتمان السوداء على الطاولة. "اشتري لنفسكِ شيئاً جميلاً."
— "لا أريد مالكِ، كيندال،" قلتُ بحدة.
— "الجميع يريدون مالي،" ردت وهي تتجه نحو الباب. "لا تتصنعي المثالية الآن، إنها لا تليق بكِ."
خرجت وأغلقت الباب خلفها، تاركةً وراءها رائحة عطرها التي ستظل تطاردني طوال اليوم. ارتميتُ على السرير، في المكان الذي كانت ترقد فيه منذ قليل. كانت الملاءات لا تزال تحمل دفء جسدها.
أغمضتُ عينيّ وحاولتُ استرجاع تلك اللحظة في الحمام، عندما كانت تغسل شعري بحنان. هل كان ذلك حقيقياً؟ أم كان مجرد جزء من اللعبة؟ جزء من "الامتيازات" التي تمنحها لي لتبقيني رهن إشارتها؟
أدركتُ حينها أنني لستُ صديقة، ولستُ عشيقة. أنا مجرد مرآة تعكس لها قوتها. هي تحتاج لضعفي لتشعر بعظمتها، وتحتاج لدموعي لتتأكد من أنها لا تزال قادرة على تحريك المشاعر في الآخرين، حتى لو كانت مشاعر محطمة.
مرت الساعات ثقيلة. حاولتُ قراءة كتاب، حاولتُ مشاهدة التلفاز، لكن كل شيء كان يذكرني بها. باريس في الخارج كانت تضج بالحياة، لكنني كنتُ سجينة في هذا السجن الذهبي.
في المساء، بدأت الرسائل تصل إلى هاتفي. صور لها في جلسة التصوير، أخبار عن أناقتها، وفيديوهات مسربة لها وهي تضحك مع مشاهير آخرين في الحفلة. بدت سعيدة، متألقة، وكأنني لم أكن موجودة في حياتها قبل ساعات فقط.
أرسلتُ لها رسالة نصية واحدة: "هل ستأتين؟"
مرت ساعة، ساعتان، ثلاث ساعات. لم يأتِ الرد.
عند منتصف الليل، سمعتُ ضجيجاً في الممر. كان صوت ضحكات مكتومة. فتحتُ الباب قليلاً لأرى كيندال محاطة بمجموعة من أصدقائها، كانت تبدو ثملة قليلاً، لكنها لا تزال تحتفظ بوقارها الملكي. رأتني من بعيد، لكنها لم تبتسم، ولم تلوح. اكتفت بنظرة خاطفة ثم تابعت حديثها مع عارضة أزياء أخرى.
دخلتُ غرفتي وأغلقت الباب. شعرتُ بإهانة لم أشعر بها من قبل. كانت تظهر لي بوضوح مكاني الحقيقي في حياتها: أنا خلف الكواليس، أنا السر الذي لا يُحكى، أنا الجسد الذي تلجأ إليه عندما تطفأ الأنوار وتملّ من ضجيج العالم.
بعد وقت طويل، سمعتُ الباب يفتح. دخلت كيندال الغرفة، كانت قد خلعت حذاءها وتمشي حافية القدمين. لم تقل كلمة واحدة. توجهت نحو السرير وارتمت بجانبي.
— "لقد كان يوماً طويلاً،" تمتمت وهي تغمض عينيها.
— "رأيتكِ مع أصدقائكِ،" قلتُ بهدوء قاتل.
— "نعم، وماذا في ذلك؟" سألت دون أن تفتح عينيها.
— "تجاهلتِني تماماً."
فتحت عينيها ونظرت إليّ، وكان فيهما بريق من الغضب.
— "ماذا كنتِ تتوقعين؟ أن أقدمكِ لهم كحبيبتي؟ أم كصديقتي التي أبكي في حضنها؟" سألت بسخرية لاذعة. "أنتِ هنا من أجل هذه اللحظات، من أجل الهدوء الذي تمنحينه لي بعد الصخب. لا تفسدي الأمر بمطالبكِ الطفولية."
— "أنا لستُ أداة لتخفيف توتركِ، كيندال،" صرختُ، والدموع تنهمر أخيراً.
نهضت كيندال بسرعة مذهلة، وأمسكت بكتفيّ وهزتني بقوة.
— "بل أنتِ كذلك! وأنا أيضاً أداة بالنسبة لكِ. ألا تستمتعين بالرفاهية؟ ألا تستمتعين بجسدي؟ ألا تستمتعين بكونكِ الشخص الوحيد الذي يرى كيندال جينر الحقيقية؟ توقفي عن الكذب على نفسكِ. أنتِ تحبين هذا الألم بقدر ما أحب أنا السيطرة."
دفعتني بعيداً عنها وجلست على حافة السرير، تلهث بصعوبة. كان الصمت الذي ساد الغرفة أثقل من أي كلام قيل.
— "ارحلي،" قالت بصوت منخفض.
— "ماذا؟"
— "قلتُ ارحلي. إذا كان هذا الوضع لا يناسبكِ، فالباب مفتوح. اذهبي وابحثي عن ذلك الحب الممل الذي تحلمين به. لن أمنعكِ."
نظرتُ إليها، كانت ظهرها لي، وأكتافها مشدودة. كنتُ أعلم أنها تراهن على ضعفي. تعلم أنني لن أرحل. تعلم أنني مدمنة على هذا السم الذي تسقيني إياه بجرعات مدروسة.
اقتربتُ منها ببطء، ووضعت يدي على كتفها. شعرتُ برعشة خفيفة تسري في جسدها، لكنها لم تبتعد.
— "لا أستطيع الرحيل،" همستُ بانكسار.
التفتت إليّ، وكان وجهها خالياً من أي تعبير، لكن عينيها كانتا تشعان بانتصار مظلم. سحبتني إليها، وقبلتني قبلة كانت مزيجاً من العقاب والمكافأة.
— "كنتُ أعلم،" قالت وهي تسحبني إلى السرير مجدداً. "أنتِ لا تستطيعين العيش بدوني، كما لا أستطيع أنا العيش دون مَن يذكرني بأنني أملك كل شيء، حتى روحكِ."
في تلك الليلة، لم يكن هناك حنان. لم تكن هناك رعاية لاحقة. كانت هناك فقط كيندال التي تستعيد سيطرتها، وأنا التي أغرق أكثر في بئر لا قاع له، مدركةً تماماً أنني في علاقة ستقتلني يوماً ما، ومع ذلك، كنتُ أتمسك بيدي قاتلتي وكأنها طوق نجاتي الوحيد.
عندما طلع الفجر، كانت كيندال قد غطت في نوم عميق، بينما كنتُ أنا مستيقظة، أنظر إلى السقف وأتساءل: كم من الوقت سيستغرق الأمر قبل أن أتحطم تماماً؟ وكم من القطع ستبقى مني لتعيد هي تركيبها في المرة القادمة؟
لم يكن لدي إجابة، فقط شعور بالخدر يسري في جسدي، ورائحة عطر "شانيل" والتبغ التي أصبحت أنفاسي الخاصة. في عالم كيندال جينر، لم يكن هناك مكان للحب، فقط للتمّلك، وأنا كنتُ السلعة الأكثر قيمة في مجموعتها الخاصة.